6 عـلـمـاء عـرب مـسـلـمـيـن غـيـروا الـتـاريـخ ولا أحـد يـعـرفـهـم | الجزء الثاني
لم يدخل الإسلام على دولة إلا وأنشأ فيها حضارة عظيمة .. فقد كان أثر الإسلام جليا وواضحا في أرض العرب .. الذين كانوا من قبله قبائل متناحرة .. فأصبحوا من بعده إمبراطورية عظيمة لا تغرب عنها الشمس .. بنيت على أسس الحضارة الإسلامية .. وولدت علماء لم ينساهم الزمان !
هذه قصة علماء العرب الست الذين غيروا تاريخ العلم ولم يعرفهم سوى القليل.
أوردنا في الجزء الأول من هذا الأساس قصص علماء العرب الثلاث، وسنكمل معكم في البيان أسماء عظماء العرب في ذلك الوقت من الزمان، وفي محطتنا الرابعة من الكتاب سنروي عليكم رحلة البتاني في الفلك والرياضيات.
البتاني
نسبه ونشأته
البَتّاني، هو أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان البَتّاني، المكنّى بـ "البَتّاني" نسبة إلى مسقط رأسه "بتان"، وهو عالم عربي مسلم في الفلك والرياضيات، ولد عام (240 هـ - 854 م) في "بتان" بإقليم حران الواقع في شمال غرب الجزيرة الفراتية العليا بين مدينتي الرقة والرها.
كان واحدا من نوابغ العلم في وقته، لقبه البعض بـ ( بطليموس العرب )، ويعتبره العالم الفرنسي لالاند من أشهر عشرين فلكيا في العالم كله، فهو من أوائل العلماء المسلمين الذين وضعوا الرموز في تسهيل العمليات الرياضية.
نشأ البتاني في عائلة جل أفرادها علماء، فهو ابن أخت العالم العربي المسلم ثابت بن قرة، وتثملذ على يد كبار الفلكيين في عصره، أمثال علي بن عيسى ويحيى بن أبي منصور.
بدأ رحلته مع الرصد الفلكي عام 264 هـ / 878 م، وحقق البتاني إنجازات بارزة في علم الفلك والجغرافيا والرياضيات، بما فيها حساب المثلثات والجبر والهندسة.
أعجب الغرب به كثيرا ولقبوه بـ بطليموس العرب، تشبيها له بالعالم الفلكي والرياضي الرومي السكندري كلاوديوس بطليموس الذي عاش في القرن الثاني من الميلاد، وأخذ الغرب علم البتاني وحفظوه في مكتبات روما القديمة، وحرفوا اسمه إلى Albategni و Albategnius، لإخفاء أصله العربي الشامي.
إنجازاته
من أهم إنجازات البتاني الفلكية، هي أرصاده الصحيحة التي تعد أدق ما أجراه الفلكيون العرب، بل ومن أدق الأرصاد التي أجريت في القرن السابع عشر، الأمر الذي ما زال يثير دهشة وإعجاب علماء الفلك، نظرًا لافتقار البتاني للآلات الفلكية الدقيقة التي توافرت في القرنين الماضيين.
كما صحح خطأ أشهر علماء الفلك الغربيين وعلى رأسهم بطليموس، فقد كانوا يقرون بثبات ميل حركة أوج الشمس بحساب دائرة الفلك، إلى أن جاء البتاني فبيّن أن الميل يتغير مع الزمن.
وهو من أوائل العلماء العرب المسلمين الذين توصلوا إلى نظرية قوية الأسانيد، تبين حركة الشمس وتوضح وتفسر أطوار القمر عند ولادته.
ألف البتاني عددا كبيرا من المؤلفات، تضمنت أرصاده الدقيقة ومقارنته بين التقاويم المعروفة لدى الأمم المختلفة، الهجري والفارسي والميلادي والقبطي، كما وصف آلاته المستخدمة في عمليات الأرصاد وطرق صناعتها، ومن بين أشهر كتبه رحمه الله كتاب " معرفة مطالع البروج " و " رسالة تحقيق أقدار الاتصالات " و " شرح المقالات الأربعة لبطليموس " وكتاب " تعديل الكواكب " وأخيرا كتاب " الزيج البتاني " وهو من أهم كتب البتاني العلمية على الإطلاق، وضعه عام 287 هـ / 900 م.
ما يقوله العلماء عن البتاني
اعترف الفلكي الشهير ادموند هالي بدقة أرصاد البتاني، كما اعترف بذلك أيضا كاجوري في كتابه " في تاريخ الرياضيات "، و أشار العالم جورج سارتون إلى البتاني بإعجاب شديد، ويقول المستشرق الإيطالي نلينو أن أرصاد البتاني في الزيج كان لها أعظم الأثر في تطور العلم المثلثات الكروية في أوروبا، ويقول أيضا جوزيف شاخت في كتابه " تراث الإسلام " : " يعتبر البتاني عالما بارزا بين جميع الفلكيين العرب والمسلمين، فقد وضع جداول الزيج وقام بأرصاد عديدة لها، إلى جانب كبير من الثقة لدرجة أنه استطاع إثبات حدوث الكسوف الحلقي للشمس "، كما ذكرت دائرة المعارف الإسلامية الإنجليزية قائلة : " البتاني فلكي رياضي عربي مشهور، ويعتبر أحد أعلام رجال الفلك في العالم، فكتابه الزيج واحدا من اهم 100 كتاب في التراث العربي والإسلامي ".
فقد كان عالما مسلما من أعظم علماء العرب الذي نسي اسمه الآن للأسف، وتوفي البتاني بالقرب من مدينة سامراء العراقية، وكان ذلك حوالي 929 م.
ابن لاجين
نسبه ونشأته
ابن لاجين، هو محمد بن لاجين بن عبد الله الحسامي الرماح، ولد في مدينة طرابلس في حوالي عام 780 للهجرة، وكان واحداً من أهم علماء العرب المسلمين الذين سطعوا التاريخ في علم الكيمياء، بالإضافة إلى اهتماماتٍ مُختلفة، فإلى جانب اهتمامه بعلم الكيمياء، اهتم بالفروسية والقتال، وتعلم فنون الحرب، الأمر الذي جعله يُلقب بعدد من الألقاب، أشهرها : الرماح والطرابلسي والذهبي.
إنجازاته
استطاع ابن لاجين من تحقيق عدد من الإنجازات والإسهامات في مجال الكيمياء بشكل خاص، وكان مهتما اهتماما شديدا بفنون القتال ودك الحصون والقلاع، فكان شغله الشاغل بكيفية تدمير حصون العدو المغيرة على بلاد المسلمين، فكان لعلمه بالكيمياء واطلاعه على كتب العلماء السابقين أثر كبير في دراسة التركيبات الكيميائية للعناصر المتفجرة التي استخدمت في الحروب، فقام بابتكار البارود كمادة شديدة الإنفجار، ووصف تركيب المادة بدقة في كتابه " الفروسية والمناصب الحربية ".
مؤلفاته
ساهم العالم محمد بن لاجين وبشكل كبير في نمو وازدهار الدولة العربية والإسلامية في ذلك الزمان، وقام بتأليف عدد من الكتب، من أهمها : " كتاب الرماح "، الذي حقق شهرة عالمية، وكتاب " غاية المقصود من العلم والعمل بالبنود "، وأخيرا " كتاب الفروسية والمناصب الحربية "، الذي كان مرجعا لأسلحة الحرب وخطط إسقاط القلاع، وعلى الرغم من مكانته في ذلك الزمان إلا أنه لم يتم ذكر الكثير عن حياته، حتى أصبح اليوم شخصا منسيا عند العرب أنفسهم.
المقدسي
نسبه ونشأته
المقدسي، هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر المَقْدِسِيّ، والملقب بـ " شمس الدين المقدسي "، وهو رحالة عربي مسلم ولد في القدس سنة 336 هـ / 947م، نشأ بها واحترف التجارة، فكثرت أسفاره حتى بات رحالا جغرافيًا.
إنجازاته
كان يرى أن المملكة الإسلامية في القرن الرابع الهجري لم توصف وصفا كافيا من الناحية الجغرافية، كوصف الأمصار والبحار والمدن والأنهار، لذلك جرّد نفسه لهذا، وطاف أكثر البلاد الإسلامية، فألف كتابا أسماه " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم "، وهو أحد أشهر الموسوعات الجغرافية التي ظهرت في القرن الرابع الهجري، فصنف البلدان والأقاليم وانتقد فيه كتب السابقين، وقال في مقدمة الكتاب : " اعلم أني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة وأسندته بدعائم قوية وتحريت جهد الصواب واستعنت بفهم أولي الألباب وسألت الله عز اسمه أن يجنبني الخطأ والزلل ويبلغني الرجاء والأمل وعلى هذا أبدأ وبه المستعان ".
وصفت دار نشر الكتب العالمية Springer المقدسي في بيانها، وقالت بأنه أكبر جغرافي عرفته البشرية قاطبة، حيث اشتهر باتساع نطاق أسفاره ودقة ملاحظاته وعمقها وحسن ترتيب مادة كتابه وصوطها صوغا طيبا.
رحلاته
انطلق المقدسي برحلته من مدينة القدس إلى جزيرة العرب في بداية عام 356 هـ / 966 م بهدف الحج، ثم زار العراق والشام ومصر والمغرب وأقطار العجم، وبدأها بأقاليم المشرق، ثم طاف الديلم والرحاب والجبال والهضاب، ودخل فارس وكرمان والسند وخوزستان، وانتهى من رحلته في حدود عام 375 هـ / 985 م، فعمل في حياته بكل والتحق بكل صنعة وتحمل المشقة وأنفق المال الكثير، حتى جاء بفكرة الخرائط و ارفقها في كتابه، وهو أول من قدم فكرة الخرائط الملونة، فحد الحدود والطرق بالحمرة، والرمال بالصفرة، والبحار بالخضرة، والأنهار بالزرقة، فكان علما من أعلام العرب والمسلمين واسما من أسماء الجغرافيين الخالدين.
حُفظ كتابه بدار النشر الغربية، واختفى ذكره في الأراضي العربية، إلى أن دار الزمان وأعدنا بفضل الله عليكم بعضا من علماء العرب القدام، علماء الحضارة الإسلامية التي أطلت بنورها على مشارق الأرض ومغاربها، فكانت شمسا عالية سيظل نورها يسطع إلى آخر الزمان.
يقول الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
