6 عـلـمـاء عـرب مـسـلـمـيـن غـيـروا الـتـاريـخ ولا أحـد يـعـرفـهـم | الجزء الأول
منذ أن قدم العرب للبشرية .. الرقم العددي المعدوم تغير معه علم الحساب للأبد .. وعندما ظهر جابر بن الحيان .. أطلق للعالم أجمع علم الكيمياء المؤصل .. وفنون الخيمياء الحقيقية .. وكان لابن الهيثم والنفيس .. الأثر الأكبر لتطور علوم الطب والفيزياء والهندسة الرياضية ..
فقد ساهم علماء الحضارة العربية في تطوير كافة أنواع العلوم الحديثة اليوم .. وتشهد على ذلك مكتبات الحضارة الغربية والشرقية .. التي ما تزال تحتفظ بـ كتب أجداد العرب في جامعاتها ومعاهدها ودور الكتب فيها .. كمراجع علمية ومعرفية منقطعة النظير.
وبالرغم من هذا الفضل الذي أنزله الله للعالم على لسان العرب، هناك الكثير من أجدادنا الذين قدموا للبشرية كلها في تأصيل العلوم، إلا أننا لم نسمع عنهم من قبل إلا في القليل، فكان حقا علينا ذكرهم وتبيان فضلهم، لنروي لكم قصصهم التي لم تروى.
هذه قصة العلماء العرب الستة الذين غيروا مجرى التاريخ في العلم الحديث.
ابن يونس المصري
نسبه ونشأته
ابن يونس المصري، هو أبو الحسن علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، والصدفي نسبة إلى الصدف، وهي قبيلة عربية من حمير في اليمن، نزلت وسكنت في مصر.
وُلد في مصر عام 342 هـ/ 950م في أسرة اشتهرت بالعلم، فقد كان أبوه محدثاً ومؤرخاً كبيراً يرجع العلماء إلى كتبه، حيث كتب تاريخ مصر ووصف بمؤرخها الأشهر، كما كان جده من العلماء المتخصصين في علم النجوم ومن مريدين الإمام الشافعي رحمه الله.
في بداية حياته حطت الدولة الفاطمية سلطتها على مصر، وأسست ما عرف بالقاهرة الجديدة، وعندما علمت بنبوغه وعلمه الوفير استدعته إلى بلاطها والعمل تحت ظلها كعالم فلك لمدة 26 سنة، فأجزل له الفاطميون العطاء وأسسوا له مرصدا على جبل المقطم قرب الفسطاط، وأمره العزيز بالله الفاطمي بعمل جداول فلكية، فأتمها في عهد الحاكم بأمر الله ولد العزيز، وسماها " الزيج الحاكمي " وكلمة " زيج " كلمة فارسية تعني بمفهومنا الحديث بالجداول الفلكية الرياضية، وهذا الكتاب كان من أشهر مؤلفات ابن يونس على الإطلاق.
كتاب " الزيج الحاكمي "
الزيج الحاكمي هو كتاب شمل 81 فصلا، وكانت مصر تعتمد عليه في تقويم الكواكب، وقد ترجمت بعض فصوله إلى اللغات الأجنبية، فقد كان دليلا للأعمال الفلكية الكبرى باحتوائه على ملاحظات دقيقة للغاية لا يمكن رصدها إلا بأدوات فلكية حديثة.
يقول لو نويل مارك عن هذا الكتاب، أنه عملا فائق الأصالة، وهو مرجع فلكي إلى الآن، ومن بين أعظم أعماله الفلكية، أيضا أنه حسب بدقة عظيمة ميل دائرة البروج، وذلك بعد أن رصد كسوف الشمس وخسوف القمر وأثبت فيها تزايد حركة القمر، فقد كانت هذه الحسابات أدق ما عرف قبل إدخال الآلات الفلكية الحديثة ،وتقديرا لجهوده الفلكية تم إطلاق اسمه على إحدى مناطق سطح القمر.
براعته في الرياضيات
لم يقتصر علمه على الفلك فحسب، بل برع في حساب المثلثات وتأصيل الرياضيات، وهو أول من توصل إلى حل بعض معادلات حساب المثلثات التي تستخدم في علم الفلك الحديث، وله فيها بحوث قيمة ساعدت في تقدم علم المثلثات، وهو أول من وضع قانونا في حساب المثلثات الكروية، وكانت له أهمية كبرى عند علماء الفلك قبل اكتشاف اللوغاريتمات وبعدها، إذ يمكن بواسطة ذلك القانون تحويل عمليات الضرب في حساب المثلثات إلى عمليات جمع، فسهل حل كثير من المسائل الطويلة والمعقدة.
الأمر الذي قد يفاجئك أن ابن يونس سبق ( جاليليو ) في اختراع بندول الساعة، والبندول هو كل جسم معلق بمحور أفقي يتحرك ذهابا وإيابا، مارا بموضع استقراره، ويسمى أيضا رقاص الرياضيات الذي يستخدم إلى الآن في مسائل الفيزياء لطلاب الثانوية العامة.
كانت معجزة كتاب ابن يونس في الأرقام، فقد كانت صحيحة حتى الرقم السابع العشرين، وهذا يتطلب حواسيب الآن، مما يدل على دقة حسابية لا مثيل لها، وكان المصريون يعولون على تقويمهم على كتاب زيج ابن يونس لفترة طويلة، فقد كان شعلة عربية لم تذكره كتب هذا الزمان.
توفي رحمه الله سنة 401 هـ / 1009م.
الإصطخري
نسبه ونشأته
الإصطخري، هو أبو القاسم إبراهيم محمد الكرخي، من رواد علماء البلدان، أو كما يسمون اليوم الجغرافيين، نشأ في أصطخر ونسب إليها، وألف كتاب " صور الأقاليم ومسالك الممالك ".
اختلف في تاريخ ميلاده، ولكن المؤرخون حددوا زمنه بين القرن الثالث والرابع من الهجرة الموافق للقرن العاشر من الميلاد.
نشأ أبا القاسم محبا للعلم ومجدا في طلبه، وشغف بالترحال، فارتحل يطوف المناطق من حال إلى حال، مبتدئا من بلاد العرب وأقطار آسيا والكثير من أقطار العالم الإسلامي، وصولا لسواحل المحيط الهندي والهند، فسجل الملاحظات ودون الأفكار والمشاهدات وروى الإختلافات بين الأقاليم والطرقات.
إنجازاته
كان أبا القاسم الإصطخري يشتهر بالصدق والأمانة العلمية والتقوى والورع والإنصاف، ظهر تفرده في اعتماده على المنهج الديني والعلمي القائم على القياس والإستقرار والمستند إلى المشاهدة والتجربة، وذلك في دراسة شكل الأرض الحقيقي وجغرافيتها، فكان من أشهر العلماء البارزين في علوم الأرض، وأول جغرافي عربي صنف في علم البلدان، فقد ساهمت جهوده في تقدم علم الخرائط واكتشاف المناطق، وكان له السبق في إبراز المدلول الجغرافي والثقافي عند دراسة البلدان المختلفة، كما قدم عناية فائقة بدراسة المد والجزر، وتقديم نظريات مهمة في علم الأنواء، وعلم الأنواء هو فرع من فروع علوم الفلك الخاص بالنجوم من جهة، وعلم الجغرافيا الفلكية من جهة أخرى، وصحح الأخطاء الجغرافية التي وقع فيها علماء سابقون.
مؤلفاته
ترك الإصطخري مصنفات فريدة لم يصلنا منها سوى كتابين هما :" صور الأقاليم " و " مسالك الممالك "، الأول ألفه على اسم كتاب لأبي زيد البلخي، والثاني ترجم إلى عدة لغات في العالم، وكان بمثابة مصدر مهم في علم الجغرافيا، ويعتبر من أول ما كتب في هذا العلم، فقد ذكر الإصطخري أقاليم الأرض وممالكها بما فيها بلاد الإسلام، وقسم الأرض إلى عشرين إقليما، وذكر كل إقليم بما اشتمل عليه من المدن، وامتد فيه من البقاع والبحار والأنهار، فكان كتابه محط اهتمام الشرق والغرب لقرون عديدة، وبقي كجوهرة ثمينة محفوظة في مكتبات العالم، فقد قام المستشرق ( دي خويا ) بطباعته سنة 1287هـ / 1870م في مدينة لايدن بهولندا، وأعيد طبعه مرات عديدة وكثيرة في البلدان الإسلامية والغربية.
إن ما قام به الإصطخري هو عمل يوصف بالفريد حقا، فقد كان له الفضل في كشف شكل الأرض الحقيقي بعيدا عن ما يروج اليوم من الأكاذيب، وكان أول جغرافي عربي صنف في علم الجغرافيا، واعتبرت مؤلفاته كمرجع أصولي في تاريخ البلدان حول العالم.
توفي رحمه الله في الهند في القرن الرابع الميلادي، وبقي اسمه خالدا إلى الآن.
أبي أصيبعة
نسبه ونشأته
ابن أبي أصيبعة، هو مُوفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن خليفة الخزرجي، هو طبيب وأديب ومؤرخ عربي مسلم، ولد وأقام في دمشق سنة 600 للهجرة الموافق لـعام 1203 من الميلاد، وهو من نسل أسرة اشتهرت بالطب، درس العلوم والطب في دمشق، وطبّق دروسه في البيمارستان، وهو أول مستشفى في التاريخ الإسلامي، كان زميلا لابن نفيس، وتتلمذ على يد كبار علماء دمشق، ومنهم : رضي الدين الرحبي، وشمس الدين الكلي، وابن البيطار، وانتقل بعدها إلى القاهرة في زمن الأيوبيين، و مارس فيها الكحالة أي (طب العيون)، لكنه لم يطل الإقامة هناك إذ عاد إلى الشام في سنة 635 هـ.
إنجازاته
اشتهر بكتابه الذي سماه " عيون الأنباء في طبقات الأطباء "، ويعتبر كتابه من أمهات المصادر لدراسة تاريخ الطب عند العرب، تناول في مقدمته مدخلا فلسفيا ودينيا واجتماعيا، ثم عرض فيه مكانة الطب بين العلوم والصناعات المختلفة، ومن ثم قسمه إلى 15 بابا، تكلم في الباب الأول عن صناعة الطب، ثم ذكر في الأبواب المتبقية طبقات الأطباء على اختلاف زمانهم ومكانهم، بما فيهم من كبار علماء الإغريق والرومان والهنود والعجم والسريان وأطباء النصارى والفرس والعراق والمغرب العربي والأندلس ومصر والشام، فكان له الفضل العظيم في تأريخ الطب والتأصيل.
مؤلفات أخرى
يعد كتاب ابن أبي أصيبعة أشمل الكتب التي وضعت في تاريخ الطب والأطباء قبل الإسلام وبعده، وهو موسوعة نقل فيها المؤلف معلوماته عن مشاهير عصره، جمع ما تفرق في الكتب الكثيرة عن حكماء القدماء وعلماء العرب والمسلمين الذين عملوا بالطب، فكتب ما يزيد عن 400، وترجمت أعماله بالدول بأكثر من 100، وكان له كتب أخرى لم تصل إلينا، وقد ذكرها في ديوانه ككتاب " حكاية الأطباء في علاجات الأدواء " وكتاب " معالم الأمم " و " التجارب والفوائد "، وبعيدا عن مجاله في الطب والدواء كان شاعرا وأديبا مرموقا، له كتابات وأشعار ضمن مؤلفاته وكتبه، وفي ربيع الأول سنة 634 ه انتقل إلى صرخد وهي مدينة في محافظة السويداء السورية ليعمل في خدمة أميرها عز الدين أيبك المعظمي، وتوفي فيها سنة 668 هـ / 1269 م.
نعلم أن الحديث عن تاريخ العرب مشوق ومليء بالمنارات التي أضاءت العالم بنور العلم والحضارة، ولكن كثرة المعلومات تنسي بعضها بعضا، و لحرصنا على ترسيخ أسماء علماء العرب الذين يجهلهم العرب اليوم، سنقسم هذه المقالة إلى جزئين، لنتيح لكم معرفة تاريخكم وأمجاد أسلافكم بدون تشتت أو نسيان، وسنكمل في الجزء الثاني الذين أسهموا بشكل كبير في تطوير العالم ونقله من الظلمة إلى التنوير.
