الـظـاهـر بـيـبـرس الـقـائـد الـمـسلـم الـذي حـرر الـأمـة من الأَسر
اعتادت الأمة الإسلامية أن تنجب العظماء .. هذه حقيقة أساسية .. فلا تمر مائة عام من الزمان .. إلا ويولد مجدد لهذه الأمة .. كما تولد العنقاء من رماد النار .. وتظل الراية مرفوعة حتى آخر الزمان .. وأبطالها يولدون من كل الأرض .. ويموتون كحضارة شامخة دثر الزمان ثناها .. ولكن إسمها يبقى كشعلة لهب خالدة .. لا تنطفئ حتى آخر يوم من قصة الأرض ..
في هذه الصفحة المشرقة من التاريخ سنروي لكم قصة الأسير الذي خلص الإسلام من الأسر .. قصة الظاهر بيبرس، الأمير الفهد.
مولده ونشأته
ولد بيبرس وكبر في منطقة تعرف حاليا باسم كازاخستان، وكان من الشركس الذي يعود أصلهم للقوقاز والقرم، ولم يعش بيبرز مع والدته لأنه خطف وبيع في أسواق بيع الرقيق، فاشتراه والي حما الذي أعاد بيعه بدمشق بسبب مشكلة عيناه، فقد كان يمتلك عينان زرقاوان إحداهما أكشف من الأخرى، فاشتراه الأمير علاء الدين البندقداري، ثم ضمه الملك الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب لطاقم خدمته.
أول معركة لبيبرس
أعجب الملك نجم الدين به وبشخصية بيبرس الفذة وشجاعته وصوته القوي، فأعتقه ومنحه لقب أمير، وفي يوم من الأيام كتب الله لبيبرس أن يضع بصمته الأولى في تاريخه كبطل، حيث ظهرت بطولته في معركة المنصورة عام 1250م، حين حاصر قوات الكونت دي أرتوا في أحياء مدينة المنصورة وقام بالقضاء عليهم جميعا.
بعد وفاة السلطان نجم الدين أيوب، وتولي توران شاه ابن الصالح أيوب الحكم، حيكت المكائد ضد توران وتم تنصيب شجر الدر ملكة على مصر، ولكن هذا الأمر كان بداية لفتنة كبيرة ففي 1254م، دار صراع شديد بين الملك عز الدين أيبك وقائد القوات البحرية الأمير فخر الدين أقطاي، وانتهى هذا الصراع بمقتل فخر الدين أقطاي، وهروب بيبرس مع باقي القوات البحرية تجنباً لانتقام ايبك.
هروب بيبرس للشام
هرب بيبرس للشام، وكان يتنقل من إمارة إلى أخرى، فيخالط الأمراء ويتعلم منهم، حتى من الله عليه وعين أميرا لمدينة نابلس، ولما دخل التتار الشام وسقطت في أيديهم، عاد بيبرس لمصر والتي كان يحكمها في ذلك الوقت السلطان قطز، فجمع قطز من تبقى من القوات البحرية، وأكرمهم وأحسن لبيبرس وأعطاه منطقة قليوب وما يحيط بها، وعينه وزيرا ورفع من شأنه وقدره، فاتحد المسلمون بقيادة السلطان قطز والقائد بيبرس في معركة عين جالوت وذلك في أكتوبر 1260م، والتي كان النصر فيها للمسلمين، ونجح في إنقاذ الشام من التتار وتطهيرها منهم كليا.
بيبرس سلطان مصر
بعد مقتل السلطان قطز رحمه الله، اجتمع المماليك لاختيار الحاكم الجديد للبلاد بعد قطز، فاقترح بيبرس أن يكون هو السلطان الجديد، فوافقوا على ذلك وتولى الحكم في نوفمبر لعام 1260م، وانقلب عليه حاكم مدينة دمشق وضم له حمص وحلب وحماة، وانفصل عن السلطنة بالقاهرة، فذهب بيبرس له وتمكن من السيطرة عليه وذلك في يناير 1261م، ولما عاد بيبرس للقاهرة فوجئ بانقلاب الكوراني ورغبته بعودة حكم الدولة الفاطمية، والكوراني كان أصله من بلاد فارس، ولقد تمكن من الوصول لمخازن الذخيرة والأسلحة وسرق الكثير منها، فحاصره بيبرس وقبض عليه وبهذا انتهى أي صلة للفاطميين بالعودة إلى مصر.
إنجازات بيبرس
تفرّغ بيبرس لتأمين طريق الواصل بين مصر والشام، وعمل على تقوية وتطوير الأسطول البحري، وقام بيبرس ببناء المدرسة الظاهرية في دمشق عام 1277م، وجامع بيبرس في القاهرة عام 1266م، وبنى أيضا القناطر السدود وحفر الترع، واخترع مقياس لمستوى النيل لكي ينهض بالزراعة والتجارة، وطور خدمة البريد ليستعمل في التجارة والحروب، وأصلح الأزهر الشريف وأعاد الصلاة فيه، وقام بالعديد من الترميمات الواسعة في المسجد النبوي، واهتم بمسجد الخليل إبراهيم عليه السلام، ومسجد قبة الصخرة ببيت المقدس، وأنشأ دار العدل، وأصلح دار خالد بن الوليد رضي الله عنه، وأقام التحالفات والمعاهدات مع عدد من الملوك والحكام من البلاد المحيطة بمصر.
حارب بيبرس الصليبيين في الشام، مما دفع قادة الصليبيين للصلح مع بيبرس خوفا من بطشه وقوته، وغزى انطاكية عام 1268م، واستطاع تحريرها من يد الصليبيين، ونجح بيبرس أيضا بالقضاء على آخر بقايا التتار في 1276م، واستمر بيبرس بالعمل والكفاح من أجل رفعة الأمة الإسلامية، حتى وافته المنية في مايو مايو 1277م، بعد رحلة طويلة استمرت 17 عاما قضاها في حكم مصر.
وفاة بيبرس
مات بيبرس، الذي اتصف بالذكاء الحاد والحنكة والعبقرية والكرم والطيبة، والإحسان للمحتاجين، وإكرام العلماء والفقهاء، وحماية الدولة من أخطار الداخل والخارج، ودفن جسده الكريم في المكتبة الظاهرية الموجودة بدمشق.
وبعد رحيله، أكمل ولده الناصر محمد إنجازات والده القائد العظيم، وقضى على الصليبيين الموجودين في طرابلس وعكا، وطردهم كليا من الشام، واستلم بعده المنصور قلاوون، فحرر البلاد من كل غاز وطامع.
كانت هذه صفحة لحياة الظاهر بيبرس، القائد الذي حرر الأمة.
