الـخـلـيـفـة هـارون الـرشـيد الـذي شـوهـته الـعـرب فـي مـسلـسلاتـها
قصة الأرض .. لا يسعها كتاب .. ولا يمكن لقلم كاتب أن يحصي جوانبها .. فهي قصة الصراع الأبدي بين الحق والباطل .. والخير والشر .. ولكن لولا الظلام .. ما عرفنا معنى للنور .. ولولا النور .. ما عرفنا معنى للحياة .. التي تمضي بنا يوما بعد يوم بدون توقف إلى يوم موعود .. وقدر قد قدر لنا قبل أن ترى أعيننا خيوط الشمس الأولى .. الشمس التي أشرقت مع فجر الإسلام .. ويحاول بعض الكارهين إخفاءها.
في هذه الصفحة من التاريخ، سنفتح كتاب الأرض على الصفحة الدولة العباسية، و نروي لكم قصة الخليفة العباسي هارون الرشيد. القصة التي لم تسمعها من قبل.
نسبه ومولده
الرشيد هو هارون بن محمد بن عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس، والعباس هو عم النبي صل الله عليه وسلم، ولد عام 148 هجرية بين عامي 765 و 766 ميلادية، بالقرب من طهران، حيث كان والده هو الأمير عليها وكذلك على خراسان. وكان ينظر إليه في البلاط منذ سن السادسة على أنه ولي العهد بسبب شدة ذكائه وفطنته، وقد قامت أسرة من البرامكة على تربيته، وقد اهتمت بتعليمه العلوم في سن الخامسة عشرة من عمره الأول، وقد كان منذ صغره شغوفا بالعلم، ومن أكثر العلوم التي برع فيها كان علم النحو، و إلى جانب العلم كان قائدا وفارسا ومقاتلا، حتى أنه قام وهو في العشرين من عمره بضرب حصار حول إحدى القلاع الرومانية، وكان ذلك في عام 165 من الهجرة الموافق 781 من الميلاد، وقد فاز بالمعركة وهزم جيش الروم الكبير، مما جعل والده يوليه قيادة الجيوش، وكان أصغر قائد آنذاك.
هارون الرشيد إماما للمسلمين
استمر الرشيد في الجيش وازدادت مهاراته القتالية، وكان من دهات القتال، وحقق الكثير من الإنتصارات العسكرية، إلى أن توفي والده عام 785 من الميلاد، وتولى أخوه "الهادي" أمور الخلافة، بينما هارون تولى حكم المغرب، ولقب بالرشيد نظرا لإنجازاته الحربية، إلى أن الهادي توفي بعد بضعة شهور من توليه الحكم، وأصبحت الخلافة لهارون الرشيد، حيث تمت البيعة له عام 170 للهجرة الموافق ل 786 من الميلاد.
وبالرغم من صغر سنه إلا أنه كان جديرا بتولي الخلافة، فعندما تولى الرشيد زمام الخلافة كانت الدولة مليئة بالقلائل والثورات، وكانت بحاجة إلى حاكم يتمتع بالحكمة والقوة، إلا أن الرشيد كان يمتلك هذه الصفات، وساعده على ذلك رجال محنكون مثل يحيى بن خالد البرمكي الذي ولاه الرشيد الوزارة، وكان رجلا مناسبا لمكانه، إذ نهض بالأمور المالية في الدولة ووصل بها إلى ذروتها، كما كان معه الربيع بن يونس و يزيد بن مزيد الشيباني و الحسن بن قحطبة الطائي، وكل هؤلاء الرجال كانوا دعائم في حكم الرشيد وأسس النهوض في الدولة.
شهدت الدولة العباسية في عهد الرشيد تطورا على مختلف الأصعدة العسكرية والفتوحات، وازدهرت الحضارة من حيث الفنون والعلوم والأدب والهندسة، حيث عرف عصر هارون الرشيد بالعصر الذهبي للدولة العباسية، وذاع صيته وشهرته كقائد عسكري محنك، واستمر في فتوحاته وحروبه، وقد تم صنع قلادة له كتب عليها "غاز وحاج"، فقد قضى عمره عام يحج وعام يجاهد في سبيل الله.
فتوحات الرشيد
من أشهر فتوحات الرشيد فتح مدينة دبسة عام 176 من الهجرة، وفتح حصن الصفصاف عام 181 من الهجرة، إلى أن أبرمت ملكة الروم معه هدنة أمنية، ولكن سرعان ما تم نقضها على يد قائد الروم "نقفور" من خلال رسالة أرسلها إليه، مما جعله يخرج بنفسه لقتاله عام 187 من الهجرة، وعندما رأى نقفور حجم جيش الإسلام المهاب طلب الصلح والهدنة، إلا أنه استل كما تستل الأفعى من جحرها فنقض العهد وهاجم الحدود وقتل المسلمين، فخرج الرشيد بجيش كبير لقتال الروم عام 190 من الهجرة، في واحدة من أكبر المعارك للمسلمين التي حققوا النصر فيها على الروم، فاستسلم نقفور قبل أن يدك عنقه.
تشويه صورة هارون الرشيد
كان هارون الرشيد واحد من أبرز وأشهر حكام الدولة العباسية، إذ بلغت الدولة أقصى اتساع لها وقويت شوكة الإسلام في العالم، ودفع المظالم عن أهله، ومع كل هذا فإن هارون الرشيد واحد من أكثر الحكام وخلفاء المسلمين الذين تم تشويه صورتهم، وتم إظهاره بالكتب المدسوسة والمسلسلات المغرضة على أنه رجل محب للنساء، رغم أنه أبعد ما يكون عن تلك الصورة.
فالرشيد على عكس ما صوره المؤلفون عرف على أنه كان يصلي مائة ركعة في كل يوم طوال حياته، وقد كان كثير الإنفاق من ماله الخاص على الصدقات، لم يترك الحج إلا إذا كان مجاهدا، وكان يحافظ على دينه وشريعته كتاج على رأسه، وقد وصل الإسلام في عصره إلى ذروة عليا ملأت الآفاق والآمال، إلا أن الفرس لم يستسغ لهم ذلك فسارعوا في دس الدسائس وتحريف الكتب وتشويه صورة رجل أفنى عمره في إعلاء كلمة الحق.
مسلسل " أبناء الرشيد "
ومن الأعمال الكارثية التي ساهمت في تشويه صورة الرشيد، المسلسل الكارثي بعنوان " أبناء الرشيد "، هذا المسلسل هو إنتاج أردني عام 2006 مليء بالتزييف وطمس الحقائق بشكل فج، حيث يصور الخليفة العظيم هارون الرشيد، شخص لاه عابث، جل اهتماماته بالعازفات والمغنين والجواري، ولا تخلو مجالسه من الغناء وشرب الخمر، وهذا بالطبع كذب وتدليس تاريخي، فالخليفة هارون الرشيد يعد من أقوى وأفضل وأصلح الخلفاء في العصر الإسلامي كله وليس العصر العباسي فحسب.
لماذا الفرس يكرهون الرشيد ؟
وعن سبب تحامل الفرس على الخليفة وتشويه سمعته هو نكبته للبرامكة، فالبرامكة عائلة فارسية قد تغلغلت في زمن الخليفة هارون الرشيد، وفي ليلة السبت ( أول صفر 187ه 29 من يناير 803 م ) أمر الرشيد رجاله بالقبض على البرامكة جميعا، وأعلن ألا أمان لمن آواهم، وصادر أموالهم و صادر دورهم وضياعهم، وفي ساعات قليلة انتهت اسطورة البرامكة و زالت دولتهم وتبدت سطوة تلك الأسرة التي انتهت إليها مقاليد الحكم وأمور الخلافة لفترة طويلة من الزمان.
تلك النهاية المأساوية التي اصطلح على تسميتها في التاريخ "بنكبة البرامكة"، وكان لتلك النكبة أكبر الأثر في إثارة شجون القومية الفارسية، فهمت إلى تشويه صورة الرشيد و وصفه بأبشع الصفات، وتصويره في صورة الحاكم الماجن المستهتر الذي لا هم له إلا شرب الخمر ومجالسة الجواري والإغراق في مجالس اللهو والمجون، و نسجوا في ذلك القصص الخرافية والحكايات الواهية، حتى طغت تلك الصورة الظالمة على ما عرف عنه من شدة تقواه وحرصه على الجهاد.
كانت هذه صفحة من قصة هارون الرشيد الحقيقية، قصة الحاكم الذي شوه صورته أعداء الإسلام.
أناسا من الحاقدين ومروجي الإشاعات
⧫⧫⧫
وصورة تتكرر في كل زمان ومكان
⧫⧫⧫
كلما رأوا إماما من أئمة الدين
⧫⧫⧫
نصر الله به السنة، وأعز به الأمة، وأعلى به كلمة الإسلام والتوحيد
⧫⧫⧫
قاموا إليه بالكذب والتشويه وتلفيق التهم.
