نـبـوءة ابـن خـلـدون تـحـققـت .. كـل مـا حـذر بـه قـبـل 700 عـام يـحـدث الآن
في كل يوم وليلة .. يسأل الناس عن ما يحدث في العالم .. وهل باتت النهاية وشيكة .. وإن كانت كذلك .. فما هي العلامات وما هي الدلائل .. تلك الأسئلة كانت محور الإهتمام من آلاف السنين .. فإذا نظرت إلى التاريخ .. لرأيته مليئا بقصص الدول والإمبراطوريات التي حكمت وعظمت إلى أن تضعضعت وانهارت .. فهذه الدنيا قصصها تنتهي وتعود .. تنتهي من أقوام أعطوا فرصهم للرجوع .. وتعود لأقوام سيأخذون نفس الإمتحان بدون رجوع .. فإذا كنت ممن يسأل متى تنهار الدول .. فاسمع لما قاله ابن خلدون !
متى تنهار الدول ؟
في سنة 732 هـ الموافقة لعام 1377، أي قبل 700 عام من الآن، أجاب عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرمي الإشبيلي، الذي ولد وعاش في تونس، وعرف باسم ابن خلدون، أجاب عن سؤال العصر والمكان، والذي كان بعنوان " متى تنهار الدول ؟ " فكتب وقال :
عندما يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدعون ويكثر الكتابون القوالون والمغنون والشعراء النظامون ويظهر المتصعلكون وضاربوا المندل وقارعوا الطبول ويظهر المتفقهون وقارئوا الكف والطالع والمتسيسون والمداحون والهجائون وعابروا السبيل والانتهازيون.
⧪⧪⧪عندما يقرب انهيار الدول يسود الرعب ويلوذ الناس بالطوائف وتظهر العجائب و تعم الإشاعة و يتحول الصديق إلى عدو، فيعلو صوت الباطل ويخفت صوت الحق وتظهر على السطح وجوه مربية وتختفي وجوه مؤنسة وتشح الأحلام ويموت الأمل وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه ويصبح الانتماء إلى القبيلة أشد التصاقا من الأوطان.
⧪⧪⧪يضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء والمزايدات على الانتماء فيعلو مفهوم الوطنية على العقيدة والدين ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة وتسري الإشاعات عن هروب كبير وتحاك الدسائس والمؤامرات وتكثر النصائح عن القاصي والداني وتطرح المبادرات من القريب والبعيد ويتدبر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته ويصبح الكل في حالة تأهب وانتظار ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين ويتحول الوطن إلى محطة للمسافرين وتصبح البيوت معها مجرد ذكريات وأما الذكرى فتصبح جزء من الحكايات.
تحقق نبوءة ابن خلدون
ماقاله ابن خلدون قبل 700 عام يحدث الآن حرفيا في القرن الحادي والعشرين، تجد اليوم المنجمين وقد غزوا شاشات التلفزة ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي في كل بداية سنة جديدة، وهم يتسابقون في توقعاتهم عن أحوال الناس والشخصيات الهامة والدول والسياسات والإقتصاد، وما أكثرهم هذه الأيام.
تجد الشوارع امتلأت بالمتسولين من أطفال ونساء، وهاهي برامج الغناء تكثر وتتصدر قائمة البرامج التي تحصل الملايين من الأموال، ويتدفق عليها البسطاء من أجل الشهرة والغناء، وكأن ابن خلدون معنا الآن، يرى ويسمع ما كتبه قبل 700 عام، فما يحصل اليوم من أزمات تعاني منها الشعوب، من أزمة سكن ومواصلات وبطالة وغلاء بل وهجرة للشباب والعقول ما هو إلا إنذارا لنهاية الدول، وفساد الموظفون والمسؤولون، فهاهي لبنان لا يزال شبابها يعانون من البطالة ومشاكل الكهرباء والماء، فهي على طريق النهاية، لتلحق بسوريا والعراق واليمن، وقريبا ستزداد القائمة وتطول.
عندما تنهار الدول يصبح العدو صديقا والصديق عدوا، فيسمح للأعداء للدخول بدون تأشيرة، ولا يسمح لمواطن من دول تتحدث نفس اللغة إلا بشروط تعجيزية، فلقد أصبحت الدسائس والمؤامرات تحاك ضد بعضنا البعض، وكأننا ألذ الأعداء، غارقون في حروب عرقية حولت الصديق إلى عدو.
عندما تنهار الدول يكثر المهاجرين واللاجئين الهاربين من نيران الحرب والظلم والطغيان، فهاهم السوريون لا تستقبلهم دول شقيقة، ويمنعون من دخول أراضيها إلى بدفع آلاف الدولارات، ففي زمن التطبيع يصبح العدو صديقا والصديق عدو.
عندما تنهار الدول تصبح الأوطان محطات سفر، والبيوت حقائب ترحال، والحلم الأكبر يصبح البحث عن ملاذ آمن والعيش بدون جوع.
بعد كل هذا، ألسنا اليوم أمام حالة انهيار !؟ فالتاريخ يدور في حلقات متواصلة، نحن اليوم شهود ومؤرخين لانهيار جديد تكرر قديما على مر التاريخ، ويا ليتنا نعتبر ونتوب، فقبل 100 عام قام الاستعمار بتقسيم الدول إلى دويلات كما تراها الآن، وفرض بينهم النزاع والشقاق، وقوى في نفوس البسطاء الأنانية والفراق، وهاهو التقسيم الجديد للمنطقة على الأبواب، وفق مصالح الغزو الجديد بين المعسكر الغربي والشرقي.
كانت تلك الهمسات التي ذكرها ابن خلدون ما هي إلا مقدمة لكتباه الضخم " كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر "، تناول فيه أحوال البشر والبيئة وأثرها على الإنسان، وكيفية إنشاء الدول وانهيار الأمم، وقد أظهر فيه خطر التعصب والطائفية والقبلية على المجتمع والدين، وما أكثر ما نشاهده من طائفية بصور جلية في بلادنا العربية، فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحتى الآن، لا تزال العراق تحت نيران الطائفية، وقسمت البلاد إلى طوائف وقبائل، وهو نفسه ما يحدث الآن في سوريا وقديما في لبنان.
ألسنا أمام وصف دقيق من ابن خلدون لانهيار الدول !! فقد بات العصر الذي نعيشه الآن عصرا رسميا لانهيار الدول، ومن بين هذه الظلمة هناك ضوء منير سيشرق عما قريب.
عندما تنهار الدول، يصبح العواء هو الصوت السائد، وتتحول الخراف إلى أسود بين القطيع، وإلى نعاج أمام الأسياد.
فقط عندما تنهار الدول يصيب الغلاء كافة جوانب الحياة إلا الإنسان تستمر قيمته في الإنخفاض.
