أسـمـاء جـن نصيـبين ولـقاؤهـم مـع رسـول الله صـلى الله عليه وسلم
كانت ليلة مقمرة وهادئة .. وإذا السماء تنهمر بالشهب الحارقة .. وتحرق كل شيطان يحاول أن يسترق السمع من ملكوت السماء ..
كان أمرا عجيبا وغير مسبوق .. يحدث للمرة الأولى من آلاف السنين .. فهمست الجن في ما بينها وقالت : " لا ندري إن كان شرا أريد بأهل الأرض أو أن الله أراد بهم الخير " .
في ذلك اليوم من الزمان .. دعا إبليس أتباعه من الجن .. وقال : " إن ما حدث في السماء بسبب أمر عظيم حدث في الأرض فاخرجوا وتبينوا ولا تعودوا إلى بنبأ يقين " .. فانتشرت الجن في الأرض .. وكان من بينهم جن قدموا من مدينة نصيبين .. إلى أن تلاقت مع خير العباد محمد عليه الصلاة والسلام .. فكان منهم ما كان .. في ذلك العصر من الزمان.
كان الجن قديما قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم يصعدون إلى السماء بأن يرقى بعضهم على بعض، حتى يصلوا إليها فيستمعون إلى الملائكة الذين يتحدثون بما أمر الله، فيأتون الأرض بعدها ويخبرون أتباعهم من شياطين الجن والإنس بما أوحى الله في الملكوت الأعلى، وهذا ما ذكر في القرآن الكريم في سورة الجن بقوله تعالى: ( وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسّمْعِ )، ولما جاء الوحي منع الجن من خبر السماء فبين الله تعالى في كتابه الكريم بعقوبة من يستمع للمكوت منهم وقال: ( فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا )، ففزع الجن من هذا وخافوا وعرفوا بأن هذا المنع ما هو إلا أمر عظيم حدث في الأرض.
اللقاء الأول
إسلام جن نصيبين
خرجت مجموعة من الجن من مدينة نصيبين، والتي تتبع اليوم للأراضي التركية، وبلغ عددهم في إحدى الروايات سبعة أو تسعة، وجاء من أسمائهم : ( حسى - مسى - منشى - وشاصر - وماصر - والأرد - وأنيان - الأخصم - الأحقب )، فانطلقوا ليعرفوا ما الذي حدث في الأرض، وما الذي جعل السماء تنهمر بالسماء، التي تحرقهم وتمنعهم عن خبر السماء.
وبينما كانوا يتجولون في الأرض خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومعه عبد الله بن مسعود، فقال النبي له : اجلس هنا، ثم رسم خطا على الأرض، وأمر ابن مسعود بأن لا يخرج منه حتى يعود إليه، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكان بعيد وابن مسعود يراقب، فبدأ رسول الله يقرأ القرآن بصوت عالي، فاجتمعت حوله جماعة الجن وتكاثروا من حوله ،فقال ابن مسعود : رأيت رجالا كأن رؤوسهم الأباريق، فقمت خائفا على النبي فأشار إلي أن أجلس فجلست، حتى اجتمعوا عليه فما عدت أراه ،فذكر الله تعالى هذه الواقعة في القرآن الكريم وقال : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ).
لما سمع جن نصيبين ما تلاه رسول الله من القرآن الكريم عظموا وتعجبوا من حلاوة ما سمعوه، وأعلنوا إسلامهم لله، وانطلقوا إلى قومهم لينذروهم من عقاب الله ويدعوهم للإيمان به وحده لا شريك له: ( يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )، وبدأ دين الإسلام ينتشر بين الجن في الوقت الذي كان أتباعه من الإنس قلة.
اللقاء الثاني
رجالا سودا أمثال النسور
كان الرسول صلى الله عليه وسلم بصحبة الصحابي ابن مسعود مرة ثانية، وذلك عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أريد أن أقرأ القرآن على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟ فقال ابن مسعود : أنا يا رسول الله، فذهب ابن مسعود وحده مع النبي، و خط النبي خطا في الأرض على ابن مسعود وأمره وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم انطلق وقرأ القرآن وابن مسعود يرى أمثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها، فاشتد اللغط والغمغمة على النبي حتى خاف ابن مسعود عليه، وغشيته أسودة كثيرة حالت بينه وبين النبي حتى لم يعد يسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين.
رجع النبي مع الفجر إلى ابن مسعود وقال: أنمت ؟ قلت: لا والله، ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتى سمعت تقرعهم بعصاك وتقول اجلسوا. فقال النبي: لو خرجت لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئا ؟ قلت: نعم يا رسول الله، رأيت رجالا سودا مستثفري ثيابا بيضا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولئك جن نصيبين سألوني المتاع والزاد فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة، فقالت الجن للرسول : يارسول الله يقدرها الناس علينا، أي أن الناس كانوا يستنجون بها، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث. فقال ابن مسعود: يا نبي الله وما يغني ذلك عنهم ؟ قال: إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحما يوم أكله ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكله وما ذلك إلا للمؤمنين منهم خاصة. فقلت: يا رسول الله لقد سمعت لغطا شديدا. فأجابه الرسول: إن الجن تدارءت في قتيل بينهم فتحاكموا بينهم فقضيت بينهم بالحق.
اللقاء الثالث
وادي نخلة
وفي ذات ليلة وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قادم من الطائف إلى مكة، نزل في وادي نخلة، وهو وادي ما بين البلدين ولم يكن معه إلا الله سبحانه وتعالى، فتوضأ وقام يصلي ورفع صوته بالقرآن، فجاء إلى الوادي جن نصيبين من جهة اليمن، حتى ملأوا واد نخلة يستمعون القرآن، فأخذ الرسول يرفع صوته بكلام الله وأخذ يرتل هذه الآيات : ( وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ )، كان من أدبهم أن سيدهم كان يسكتهم ليسمعوا القرآن ويقول لهم : أنصتوا، أنصتوا، فكانوا ينصتون. ولما فرغ رسول الله من صلاته تفرقوا وضربوا بقاع الأرض ووصلوا إلى قومهم يدعوهم إلى قول لا إله إلا الله.
لقاءات أخرى :
تعددت لقاءات جن نصيبين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغت ست مرات، ما بين مكة وخارجها ووادي نخلة و شعب الحجون والبقيع والغرقد وخارج المدينة المنورة، إلا أن أهل الحجاز يتناقلون إلى الآن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلتقى مع جن نصيبين في مكانين آخرين، أولهما مسجد الجن، والآخر مكان غامض يدعى محبس الجن.
مسجد الجن
في حي العزة أحد أقدم الأحياء القريبة من المسجد الحرام، يقع مسجد الجن، وهو أحد مساجد المكرمة، وسمي بهذا الإسم نسبة إلى المكان الذي اجتمع في النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلا، وتلا عليهم آيات كريمة من القرآن الكريم، ويعرف أيضا بمسجد البيعة، حيث قيل أن الجن بايعوا رسول الله في ذلك المكان، كما يعرف عند أهل مكة بمسجد الحرس.
محبس الجن
تروي القصص والروايات عند أهل مكة، أن الجن عندما أرادت الإستماع إلى القران الكريم أخذت لنفسها موعدا مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في مكان مجهول وغامض لم يتم التأكد من موقعه إلى الآن، يطلق عليه محبس الجن، ويعرف المحبس اليوم كأحد أحياء مكة القديمة، ويقصد به حبس الجن في موضع على يد النبي وهو يتلو القرآن عليهم، وذلك حينما أسلمت مجموعة منهم، حيث يقول بعد الرواة، أن الجن الذين أسلموا خرجوا من مكة إلى أصقاع الأرض لدعوة بني جنسهم إلى الإسلام، بيد أن لم يثبت صحة هذا الكلام تاريخيا.
وفي الختام إن الجن من الحقائق التاريخية المثبتة التي أشير إليها في القران الكريم، حيث نزلت سورة بأكملها سميت بسورة الجن، والجن مكلف بطاعة الله وعبادته مثل الإنس تماما، وذلك لقوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )، فمنهم الصالحون ومنهم ما دون ذلك، إلا أن جن نصيبين كانوا مثالا للجن الصالح الذين آمنوا بالله وحده، وانتشروا في الأرض لدعوة بني جنسهم إلى توحيد الله ونشر الإسلام.




