القائمة الرئيسية

الصفحات

بهلول المجنون الحكيم، طرائف بهلول مع هارون الرشيد - بهلول أعقل المجانين

بـهـلول المجنون الـحـكيـم، طـرائـف بـهـلـول مـع هـارون الـرشـيـد

بهلول .. الرجل الحكيم .. الذي كتبت عنه القصص والروايات .. وألهمت كلماته أولي الألباب .. يحسبه الناس مجنونا .. وهو للعقل دار وميزان .. كان كلامه منطق الحكمة .. ومواقفه تنصر الحق .. ولم يخش أحدا إلا الله .. من خاطبه بالعقل غلبه .. ومن شاوره بالأمر أرشده .. وإن دعاه المظلوم أنصفه .. فحياته مليئة بالمواقف التي تقشعر لها الأبدان .. وأفعاله يحسبها الجاهل جنونا .. فإن خالط الناس وعظهم .. وإن لاق الأطفال لاعبهم .. وإن اختلى بنفسه كان ورعا شديد الخوف من الله .. لم يهتم للمال ولا للأغنياء .. ولا يفرق بين أحد من عبيد الله .. حتى أن هارون الرشيد أمير المؤمنين .. كان يطلبه من أجل أن يسمع موعظته.

في هذه الصفحة البيضاء من التاريخ سنروي لكم قصة الحكيم بهلول ومواقفه الرائعة بين أمير المؤمنين والناس.

بهلول أعقل المجانين

بهلول أعقل المجانين


اسمه ونسبه

بهلول هو أبو وهب بن عمرو الصيرفي الكوفي، ولد بالكوفة في العراق، ويعود نسبه إلى المغيرة بن العباس بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم.

وهو في الحقيقة عالم وفقيه وله علم ومعرفة عميقة بالدين والشرائع، وله مجادلات مع فقهاء عصره، بالإضافة إلى ذلك، كان يتمتع بسلامة اللغة وجزالتها، وهو ما انعكس في بناء حكمته وطرائفه التي اشتهر بها. 


سبب تظاهره بالجنون

كتبت بعض المصادر التاريخية أن سبب تخفيه بصورة رجل مجنون، كان بسبب الخلافات السياسية في عصره، بحيث أن حكمته وتفرد وعيه قاده لأن يلعب دور المجنون، بدلًا من أن يكون ذلك الشخص العالم أمام الناس، و إسم  بهلول وفق للمعاجم العربية، يعني السيد الجامع لصفات الخير، أو الرجل المَرِحُ كثير الضحك.

وقد قيل أنه لعب هذا الدور أمام الناس، ليعظ من يشاء بدون قيود، وقد جاء ذكره في العديد من الكتب الإسلامية التاريخية المعروفة، ومن أشهرها : " كتاب أعقل المجانين " للنيسابوري، و كتاب " تاريخ الإسلام " للذهبي.


بهلول وهارون الرشيد


اللقاء الأول بين بهلول وهارون الرشيد

عاش بهلول في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكان كثيرا ما يستمع إلى موعظته وحكمته، وكانت بداية قصته مع أمير المؤمنين في الكوفة، وذلك عندما خرج الرشيد إلى الحج، فلما كان بظاهر الكوفة إذ بَصُر بهلولً وخلفه الصبيان وهو يعدو، فقال: من هذا ؟! قالوا : بهلول المجنون، قال: كنت أشتهي أن أراه، فادْعُوه من غير ترويع، فقالوا : له أجب أمير المؤمنين، فلم يستجب ! فقال الرشيد : السلام عليك يا بهلول، فقال : وعليك السلام يا أمير المؤمنين. قال : كنت إليك بالأشواق، فأجابه بهلول : لكني لم أشتق إليك ! قال: عظني يا بهلول ، قال : وبمَ أعِظُك ؟! هذه قصورهم وهذه قبورهم !! قال : زدني فقد أحسنت، قال : يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالًا وجمالًا فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار. فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال : قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال : لا يا أمير المؤمنين، لا يُقضى الدين بدين؛ رد الحقَّ على أهله، واقض دين نفسك من نفسك ! قال : فإنا قد أمرنا أن يجري عليك، فقال : يا أمير المؤمنين أتُرى الله يعطيك وينساني ؟! ثم ولى هاربًا !


قصة لقائه الأول مع هارون الرشيد، تدل على أن بهلول كان يقول الحق، عن طريق الحكمة اللطيفة والموعظة الحسنة وكان يجهر بها، ولهذه الكلمات التي أوجزها بهلول لأمير المؤمنين تفسير عميق وحكمة بالغة. 


بهلول يجلس على عرش هارون الرشيد

كان بهلول بذكائه يفوت الفرصة على من ينوي السخرية منه ويحولها إلى خصمه، ومن قصص بهلول الشهيرة مع الرشيد.

قيل أن بهلول كان يركب قصبة وقد اتخذها حصانا كما يفعل الأطفال، ودخل على فرسه هذا ديوان الرشيد، وجلس على عرشه، فهجم عليه الوزراء والحجاب وجميع الحاضرين، وضربوه حتى أزاحوه عن العرش، فسار بهلول يبكي حتى جاء هارون الرشيد وسأل : لم بهلول يبكي ؟ هل من حاجة نقضيها له ؟ فأجابه الحاضرون : ضربناه لأنه جلس على عرشك. فعاتبهم الرشيد، وطيب خاطر بهلول ورجاه أن لا يبكي، فقال له بهلول : أنا لا أبكي من الضرب، ولكني أبكي عليك. فقال الرشيد: ولماذا ؟ قال : جلست على عرشك برهة وجيزة، فأكلت هذا الضرب، فكيف بك أنت وقد جلست هذه المدة الطويلة.


بهلول أمير الفئران

من النوادر التي تتعلق بالعدل واغتصاب الحقوق، أن تاجرا نوى حج بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فاستأمن القاضي بعض المال، ولما عاد التاجر من الحج، إدعى القاضي أن الأمانة أكلتها الفئران، فأخذ التاجر يبكي، فكيف لأمانة أن تضيع عند القاضي. ومر به بهلول فعرف أمره، فقال له : لا تبكي سوف أعيدها لك غدا. ذهب بهلول إلى هارون الرشيد وسار يبكي، وهو يقول : لقد وليت فلانا الإمارة الفلانية وفلانا الإمارة الفلانية فسأله الرشيد : وأنت ماذا تريد ؟ فقال : أريد إمارة الفئران. فقال الرشيد : أعطوه إمارة الفئران. قال بهلول : بل أريد أن تصدر مرسوما بذلك، وتعطيني حصانا وحرسا وجوقا. فأمر له بما أراد. وخرج بهلول على فرسه والجوقة تعزف وراءه وأمامه، وتبعه الصبيان وضحك الناس لما عرفوا أمر هذه الإمارة، ووصل بهلول بيت القاضي، وأمر عماله أن يحفروا تحت جدار البيت، فخرج القاضي وسأله : ماذا تعمل يا بهلول ؟ فأجابه بهلول : ألست أنا أمير الفئران ؟ إن فئرا أكل مني درهما ذهبي ودخل تحت جدار بيتك، وإني أريد أن ألقي القبض عليه. فسأله القاضي : يا بهلول، كيف يأكل الفأر الذهب ؟ فأجابه : كما أكلت فئرانكم ذهب التاجر، فأما أن تعيدها إليه وأما أن أهدم دارك. فأعادها القاضي إلى صاحبها، ولما علم هارون الرشيد بقصته أمر بخلعه من القاضي وزجّ به بالسجن.

وفاة بهلول

توفي عام 197 من الهجرة الموافق ل810 من الميلاد، وله مرقد معروف في بغداد، والتي تعرف اليوم بمقبرة الكرخ القديمة، وهو من المراقد التاريخية التي تقع خلف مرقد الشيخ معروف الكرخي.


كان لبهول مواقف عديدة في حياته، ولو أراد مالا أو سلطة لنالها، لكنه اختار أن يكون واعظا ينصر المظلوم ويجهر بالحق.


كانت هذه لمحة بسيطة إلى حقيقة بهلول، الرجل الحكيم والإنسان العادل الذي باع دنياه واشترى آخرته.